ابن أبي الحديد

57

شرح نهج البلاغة

عليهم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بلوائه وهو معقود لم يحل من أمس ، فدفعه إلى علي عليه السلام ، ويقال دفعه إلى أبى بكر ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مجروح ، في وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر ، ورباعيته قد شظيت ، وشفته قد كلمت من باطنها ، ومنكبه الأيمن موهن بضربة ابن قميئة ، وركبتاه مجحوشتان ، فدخل المسجد فصلى ركعتين ، والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالي ( 1 ) حيث جاءهم الصريخ ( 2 ) . ودعا بفرسه على باب المسجد ، وتلقاه طلحة بن عبيد الله ، وقد سمع المنادي ، فخرج ينظر متى يسير رسول الله صلى الله عليه وآله ! فإذا هو وعليه الدرع والمغفر لا يرى منه إلا عيناه ، فقال : يا طلحة سلاحك ، قال : قريبا ، قال طلحة : فأخرج ، وأعدو فألبس درعي وآخذ سيفي ، وأطرح درقتي في صدري ، وإن بي لتسع جراحات ، ولأنا أهتم بجراح رسول الله صلى الله عليه وآله مني بجراحي ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على طلحة ، فقال : أين ترى القوم الان ؟ قال : هم بالسيالة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ذلك الذي ظننت ، أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا ، قال : وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم ، فانقطع أحدهم ، وانقطع قبال نعل الاخر ، ولحق الثالث بقريش وهم بحمراء الأسد ، ولهم زجل ( 3 ) يأتمرون ( 4 ) في الرجوع إلى المدينة ، وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك ، ولحق الذي انقطع قبال نعله بصاحبه ، فبصرت قريش بالرجلين ، فعطفت عليهما ، فأصابوهما ، وانتهى المسلمون إلى مصرعهما بحمراء الأسد ، فقبرهما رسول الله صلى الله عليه وآله في قبر واحد ، فهما القرينان .

--> ( 1 ) العوالي : ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال . ( 2 ) الصريخ : المغيث . ( 3 ) زجل ، أي صوت وجلبة . ( 4 ) يأتمرون : يتشاورون .